"عن السعادة - الحب "4
عجيبٌ أمرنا نحن البشر، قد يصلُ بنا السخاءُ حدوداً نكادُ نراها نحن أنفسنا ضرباً من الخيال، نجودُ بالمئات، بالآلاف أو حتى بالملايين، دون انتظارٍ للنظير، لكنّ هذا الكرم "الاستثنائيّ" يظلّ موقوفاً في أذهاننا على المادةِ وحدها دون سواها. يزعجني أن أفكّر في ضآلة صنيعنا حين أتساءل: كم مرّةً فكّرنا في زيارة فلانٍ لا لشيء إلا لأنّنا أردنا أن نرى شخصاً نحبّه لم نره منذ زمن؟ كم مرّةً قدّمنا لآخرين معروفاً دون أن نعدّه جميلاً يستلزم السّداد؟ كم مرّةً قلنا لمن نحبّ إنّنا نحبّهم لا مجاملةً بل لأنّنا نحبّهم فحسب؟ كم مرّةً اقتطعنا من مشاغلنا التي لا تنتهي لحيظاتٍ لنستمتع بالحياة مع من نحبّ؟ كم مرةً قرّرنا بصدقٍ أن نعذر ونصفح وننسى بدل أن تتكدّس رواسب البغض ونتن الكراهية على أفئدتنا؟ كم فعلنا في حياتنا من كلّ هذا غير آبهين بالثمن؟ القليل مع الأسف أو حتّى العدم، ولا أحسبني في تأويلي هذا مدّعياً أو متجنّياً ظلماً -لا سمح الله-، وإنّما أسألكم بالله عليكم أن تتأملوا الأمكنة من حولكم حيث أنتم الآن لتكتشفوا كم من الحبّ يشيع في الأجواء!!
وكأنّ ما يحلّ للمادّة لا يحلّ للحبّ، أو أنّ الحبّ بات أكثر كلفةً من المادة ذاتها فلم يعد يجدي عطاؤه نفعاً، أو ربّما إننا نسينا أنّ عطاء المادّة الأصلُ فيه أن يكون بدافع الحبّ وإلا بات عطاءُ المادة ذاته محلّ شكّ وتساؤل!!
ولأنّنا بشر، فقد لا نستسيغ الفلسفة في أيامنا هذه، وسنظلّ نفعيّين بطبعنا، وقد يدهشكم أني أوافقكم تماماً في آخر ما قلتُ.. نَعَم، إنّ من حقّنا كبشر أن نحظى بمقابل كلّ ما نقدّم لغيرنا، ليس هذا فحسب، بل وأقرُّ لكم أيضاً أنّ من أصول ما لا يجبُ أن نتنازلَ عنه حقّنا في مقابل كلّ ما يقدّمه الواحد منّا حتّى لشخصه هو! وأجدني مضطّراً لأن أعترفَ لكم بأنّي شخصيّاً لم أتنازل يوماً عن هذا الحقّ الشرعيّ ولن أفعلَ يوماً!! إذا كان هذا ما أدهشكم فإنّ ما يدهشني حقّاً بل ويثير ضحكي تارةً وأساي تارةً أخرى أن أرى حقوقكم قابعةً في الزاوية هناك منذ زمن بينما تبحثون أنتم عن تلك الحقوق في الزّاوية الخطأ تماماً!!!
لنتّفق أوّلاً قبل أن نهتدي إلى مكان كنزكم المفقود على أنّ الأصلَ في الوصول إلى السعادة عند البشر بلا استثناء يكمنُ في تحقيق حالةٍ معيّنةٍ من "الرّضا الذاتي"، حتّى أولئك الذين يقولون بوصولهم للسّعادة بإشباع رغباتٍ أو حاجاتٍ ذاتيّة لو تتّبعنا قولهم بعناية لخلصنا إلى أنّ محاولة إشباع الرغبة -وإن كانت رغبةً بالطعام على سبيل المثال- ما هي في حقيقة الأمر إلا محاولةٌ للبحث عن الرّضا الذاتيّ والمصالحة مع النّفس بطريقةٍ أو بأخرى. إن كنّا متّفقين في هذا أمكننا التقدّم خطوةً للأمام بالعودة للوراء قليلاً واسترجاع ثلاث حلقاتٍ مضت من مسلسل الحبّ، وهنا أسأل: لو أنّ شخصاً ما أساء إليك -مثلاً- فسواءٌ بادر الشخص بالاعتذار أو لم يفعل ماذا تحسبك فاعل؟ أنت بين خيارين لا ثالث لهما: إمّا أن تسامح أو تتحامل على المسيء. بتحاملك أنت لم تنل شيئاً بلا شكّ، كلّ ما فعلته ببساطةٍ هو أنّك وسّعتَ دائرة من تتحامل عليهم لتتّسع لشخص آخر جديد. انظر معي الآن إلى ما كنت ستجنيه لو سامحتَ، لو فعلتَ لأثبتَّ لنفسك قبل غيرك مدى اتساع صدرك وحلمك، ولابدّ وقرَ في قلبك أنّك قويّ الإرادة حتماً لتخطو هكذا خطوة، وربّما يكون ردّ فعلك كافياً ليقلب حياة صاحبك المسيء أو غيره رأساً على عقب، وقبل كلّ هذا أمكنك أن تطمئنّ إلى أنّك أرضيتَ بارئك سبحانه بعفوك عند قدرتك -والقدرة قدرة العزيمة قبل قدرة الجسد-، لاحظ أنّ كلّ ما أسلفتُ لم تكُن له صلة مباشرة بردّ فعل الآخر تجاهك -وسواء كنتَ تحبّه أو حتّى لا تعرفه-، ثمّ لاحظ مجّدداً أن تلك النتائج جميعها تصبّ أخيراً في المصبّ ذاته: ارتفاعٌ مهولٌ في طاقة الرّضا الذاتيّ لديك مصحوبة بنشوةٍ غير مسبوقةٍ من السّعادة، وهي هذه المرّة سعادةٌ حقيقيّةٌ لأنّها تتدّفقُ من داخلك لا تختلقها الظّواهر من حولك!
تذكّر أنّ كمّ المقابل الذي حظيتَ به حتّى الآن كان مقروناً بحادثةٍ منفردة ليس إلا، ولك أن تقيس على ذلك ما يمكن أن تفوز به حين تسعى لتمييز مشكلةٍ عند من تحبّ ثمّ لا تألو جهداً في حلّها، أو حين ترسم ابتسامةً على وجه محبوبك بهدّيةٍ تهديها له على غير انتظار منه، أو حين تداعب ابنتك فتطمئنّ إلى حنان والدها، أو حين تحمل نفسك على زيارة صديق لك قطعكَ منذ سنين.. والقائمة طويلة، متّسعةٌ اتّساع عطاء الحبّ ذاته، وقد يكون منتهاها موقفٌ كموقفك وأنت مصطفٌّ بين العساكر في انتظار التحام الجيوش، وقد وهبت لدينك أو وطنك روحاً قد تفارق جسدك في أيّ لحظةٍ وأنتَ حينها في أتمّ ما يمكن أن يستشعره المرء من رضاً بلا شك وقد اطمأننتَ إلى سلامة حبّك، وصدق نيّتك، وشديد سخائك، وشجاعة فؤادك، وعظيم صنيعك...
خلاصة خارطة الطّريق إلى كنزكم -ودليلكم فيه الحبّ بالطّبع- أوجزها في الآتي: لأنّك تسامح فأنت بالتأكيد راضٍ عن نفسك، ولأنّك ترضي ربّك فأنت راضٍ عن نفسك، ولأنّك تعطي فأنت راضٍ عن نفسك، ولأنّك تنجزُ بالمبادرة إلى حلّ المشكلات فأنت راض عن نفسك، ولأنّك ترسم البسمة على شفاه من تحبّ فأنت راض عن نفسك، ولأنّك لا تنتظر مقابل عطائك فأنت مطمئنٌّ إلى نيّتك وأنت بالضّرورة حينها راض عن نفسك لا محالة... وبقدر ما أمكنك أن تنهل من الرّضا عن ذاتك بقدر ما قويت شوكتك واشتدّ عودك، وأمكنك أن تفتح كنز السّعادة الذي لطالما بحثت عنه، ومتى فُتحَ كنزك لم يعُد لمخلوقٍ أن يمنعه عنك أبداً...
ها قد وصلنا أحبّتي آخر رحلتنا مع الحبّ، قد نكون اختلفنا فيها أو اتّفقنا في موضع أو آخر، والاختلاف سمةٌ لازمةٌ من سمات البشر، لكنّ ما أرجوه منكم ألا تتركوا الحبّ وحيداً على هذه السّطور، خذوه معكم أينما كنتم، دعوا الحبّ يسير دائماً أمامكم ليكشف لكم معالم الطّريق، اتبعوا صوت الحبّ ولا تخشوا التّيه، علّموا الحبّ لغيركم أنّا شئتم، كما فهمتموه أنتم لا ما فهمتُه أنا، المهمّ أن يشيع الحبّ في المكان من حولكم، لأنّكم صدقاً كبشر تستحقّون أن تمنحوا أنفسكم كمّاً أكبر من الحبّ في حياتكم...






0 comments:
Post a Comment