Tuesday, December 27, 2005

عن السعادة - الحب

مُذ يُخلَق الواحد منّا يتعلّم أشياء كثيرة في حياته. تعلّمنا جميعاً بالتلقين والمراس العمليّ معاً -وإن في أوائل سنين عمرنا- كيف نضرب ونشتم ونغضب ونكره ونحقد ونحسد، لكنْ كم منّا يُسّر له أن يتعلّم الحبّ؟ كم منّا عرف عن الحبّ غير أنه رجلٌ وحبيبة؟ غير أنه عشقٌ وولعٌ وغرام؟ غير أنه رسالة شوقٍ وقصيدة غزل؟ غير أنه بُعدٌ وفراقٌ وألم؟ الحبّ يا سادتي يستحق منّا أكثر من هذا، بل نحن ذاتنا في أمسّ الحاجة لأن نمنح أنفسنا قدراً أكبر من الحبّ، ولستُ أبغي فيما سأقول تلقيناً أو حتى توجيهاً، وإنما أحببتُ أن نستذكر درس الحبّ سويةً ليس إلا

كثيرون من كلّ أرض وزمن حاولوا على الدوام تنظير الحبّ وحَشْرهِ في أطُر ثابتةٍ محددةٍ لا يملك الخروج عنها، وقد يحسب البعض أنّ هذا ينسحب بالضرورة على ما سأقول، لكن ليعلمْ إخوتي أنّ أول قاعدة أيقنتُ بها في شأن الحبّ وأقرّها هنا هي أنّ الحبّ لا يمكن أن يحدّه حدٌّ أو يتّسع له إطار، لذلك تجدونني أتطرف وبشدّة في سعيي لتحرير الحبّ من كلّ ما يقيّده، ولنبدأ من هنا ونتلمّس معنى الحب وماهيّته. حين بحثتُ عن تعريفٍ بسيطٍ وشافٍ لم أجد مثل القول في الحبّ إنّه استعدادٌ غير محدودٍ للعطاء، فالمُحبّ يعُطي. قد يعطي عطفاً وحناناً، قد يعطي مالاً أو ما في مقامه، قد يعطي كلمةً أو إشارة، قد يعطي علماً وأدباً، قد يعطي أيّ شيء حتى روحه، المهمّ أنّه يعطي، والأهمّ أنّ المحبّ إذا أحبّ فلا حدّ لما يمكن أن يعطي

على أنّ شكل هذا العطاء قد يختلف باختلاف شكل الحبّ ذاته، فالحبّ أشكال وألوان عدّة، ومهما حاولتَ أن تحصُر هذه الأشكال فلن تعُدّ أكثر من نماذج بسيطة على ما يمكن للحبّ أن يتجسّد فيه، فحبّك لله حب، وحبّك لوالديك حب، وحبّك لإخوتك وأخواتك حب، وحبّك لعائلتك الكبيرة حب، وحبّك لمُدرّستك ومدرّسك حب، وحبّك لزملاء فصلك حب، وحبّك لأصدقائك حب، وحبّ العشّاق حب، وحب الأزواج حب، وحبّك لأولادك وبناتك حب، وحبك لقريتك حب، وحبك لوطنك حب، وحبك لأمتك حب، وحبك للعالم حبٌّ أيضاً... والقصد هنا أنّ لكلّ حبٍّ من هؤلاء طبيعة خاصة تميّزه عن غيره سواء من حيث من أو ما تحبّ، أو بصورة العطاء الذي تدفع الفطرةُ وحدها المُحِبّ ليقدّمه لمن يحبّ، ولا أجده مثار جدلٍ حين أدّعي إنني لو ذكرتُ لك حبّ والدتك مثلاً فستشعر بعاطفةٍ مغايرة لِما كنت ستشعر به لو كان الأمر متعلّقاً بشقيقتك أو زوجتك، أضف إلا ذلك أنك حين تريد أن تعبّر عن هذا الحبّ أو ذاك، أيْ أن تعطيَ بعبارة أخرى، فإنّ ذلك سيتأثّر حتماً -شكلاً لا حجماً- بالحبّ ذاته، بل إنّ هذا العطاء أيضاً لو عُدتَّ للوراء قليلاً لأمكنك مواكبة حالة التجدّد المستمرّة فيه مع الزمن، ولك أن تأخذ على سبيل المثال حبّك لولدك، فما قدّمْتَهُ له رضيعاً ليس بالضرورة تقدّمه له وهو صبيّ ولن يكون بالتأكيد ما سيحتاجه منك في رجولته

ولعلّ من المفيد هنا أن أضربَ عصفورين بحجرٍ واحدٍ -ولو وجدتُّ مثلاً أرحم من الضّرب هذا لأخذتُه- فأصحّح تناهِيَ عطاء الحبّ بالقول إنّ عطاءنا كبشرٍ محدّدٌ في منتهاه ببذل أرواحنا في سبيل من نحبّ وأنْ ليس في أيدينا بعد هذا عطاءٌ، ومن هذه الحقيقة بالذات يُصبح أيسر علينا أن نسلّم بالنهاية الواحدة للحبّ مهما اختلفت ألوانه، ذلك أنّ الواحد منّا متى أحبّ والده أو صديقه أو وطنه بات في حكم اليقين أنّ أوّل موقفٍ يستدعي روحه فداءً لمن يحبّ يكفي الروح لأن تعرف دربها دون مشورة منّا أو استئذان

أحسَبُ أننا اللحظةَ في وضع يسمحُ لنا بالغوص أكثر في الحبّ ودقيق مسائله، وبنظرة أقرب للحبّ أمكننا التمييز بين صنفين رئيسين: الخَفِيّ والجَلِيّ. أمّا الحبّ الجليّ فهو ما ما لم يَلزَمْك فيه جهدٌ أو تفكيرٌ لتحديد شخص أو كينونة من تحبّ، ومن هذا حبّك لوالديك وإخوتك وأولادك ووطنك، فهؤلاء جميعاً لم تكن لك يدٌ في اختيارهم أحبّةً لك، لكنّ مسؤوليتك تحتّم عليك المضيّ في البحث عن الحبّ الحقيقي لهؤلاء جميعاً لأنه لابدّ ينتظر منك أن تكشف عنه عاجلاً أم آجلاً، وأما الخفيّ من الحبّ فهو ما تريد أن تبحث عن شخوصه أو تكتشفها بنفسك -سواء أكان الحبيب مقدّراً لك أو كان اختياره يقع على عاتقك- وأوْضَحُ الأمثلة على هذا حبّ العشق وحبّ الزوجية وحبّ الأصدقاء، فصديقك أنت من تختاره من بين كلّ من يمرون في شريط حياتك من زملاء ورفاق دراسة أو عمل، وأنت إذن بالضرورة من يقرّر خلق تلك الرابطة المقدّسة مع صديقك والتي لا أجدها تقلّ شأناً عن علاقتك بأخيك أو زوجك، ذلك أنّ الأمر في النهاية يظلّ حبّاً. وما ينطبق على الصداقة يمكن إسقاطه على الزواج كذلك، فالعزم على طلب يد فتاة يشتمل ضمناً على تعهّد شخصيٍّ من الطالب بإقامة رابط حبٍّ مع من سيتزوّج، وكذلك الأمر بالنسبة للفتاة حين توافق على طلبه. ولأشدّدْ هنا على أنّ الزواج ليس هو الحبّ الزوجيّ ذاته وإنّما نقطة البداية فقط للبحث عن هذا الحبّ

أمّا حبّ العشّاق فقصّةٌ مختلفةٌ تماماً، فهو في يقيني مقّدرٌ حتماً لا اختيار فيه، إلا أنّه لا يكشفُ عن نفسه مبكّراً كحبّ أمّهاتنا مثلاً، بل يظلُّ خفيّاً حتّى تحين ساعة القدر. أعلمُ إنّ الأمر قد يفتح الباب لتساؤلاتٍ لا حدّ لها، لكنْ دعونا نتخيّل الأمر كالآتي: حين نولدُ نحن كبشرٍ تولد معنا أرواحنا -وإن ليس في نفس الوقت بالضرورة- في عالمٍ آخر مواز لنا تماماً، كلّ روح فيه تحمل سرّ الحبّ لصاحبها كاملاً، وما عنيتُ هنا هو الحبّ المقدّرُ لا المخيّر فيه، وكما ننضج نحن تنضج أرواحنا، الفرقُ أننا نظلُّ نبحثُ أياماً وأياماً عن ذلك الحبّ المفقود، حبّ العشّاق الذي لم نُخْبَرْ عنه شيئاً، في الوقت الذي تعرف فيه أرواحنا تماماً ما تبحثُ عنه، والغريب أننا في غمرة تعطّشنا لذلك الحبّ نلجأ إلى إقناع ذواتنا بالرضى بعواطف أخرى أدنى في الرقيّ على أنها حبّ العشق الموعود، أو نخوض غمار تجارب مختلفة متوهّمين قدرتنا على أن نُخَلّق هذا النوع من الحب وننمّيه بأيدينا حتّى يغْدُوَ ما نريد، وخلاصة الحكاية هنا أنّه متى قُدّر للأرواح الباحثة عن بعضها أن تلتقيَ رقصتْ فرحاً فترقصُ أفئدتنا كما لم ترقص من قبل رقصةً لا يمكن لعاشق أن يخطئها

على إنّ فهمنا لما تعنيه تلك الرقصة مشروطٌ بنقاء الأجواء بيننا وبين أرواحنا لنتمكّن من استلام إشاراتها صافيةً سليمةً، أمّا حياة شابٍّ أو فتاة نَغِلَتْ بعلاقات مشبوهة أحدثناها بدعوى التقدّمية والانفتاح فأراها كفيلة بالتشويش على إشارات الحبّ مهما اشتدت سواعد أرواحنا، والحقيقة إنني لا أجد حرجاً في القول بأنه سواء كان تصوير قدريّة حبّ العشق على الصورة التي أسلفتُ أم غيرها فإنّ الإسلام قد اتفقّ تماماً في نظري وفكرة القدريّة في هذا الحبّ، بل وإنّ حكمته علّمتنا كيف نضمنُ قوّة اتصالنا بأرواحنا، وزادَ على ذلك بأن مَنَحَنا الوسيلة لنقلّص هامش الخطأ بين ما يختاره القدر لنا -أي ما أسميتُهُ حبّ العشق- وبين ما نختاره نحن بأنفسنا، وأعني حبّ الزوجية -وسآتي على تفصيل هذا لاحقاً-، فتقنينُ الاختلاط وضبطه بضوابط شرعية يغنينا عن إقحام أنفسنا في دوّامة من الأوهام خلال رحلة البحث عن الحبّ، والرضى بأقلّ من لذّة الحب الحقيقي ثمناً، وفي مقابل ذلك كان حثّ الإسلام صريحاً ومُلحّاً على الزّواج، والمدهش حقّاً أنه اكتفى بالإذن للطالب برؤية المطلوبة قبل إتمام الزواج، أو على الأقلّ لأقُلْ إنّه لم يُجزْ الخلوة بينهما قبل ذلك، ومن هذا قد يُتّهمُ الإسلام جهلاً بإنه يضع المادة والشكل معياراً للاختيار لا القلب والمضمون، لكنّي أرى إنّ ذلك اللقاء على قصره ومحدوديّته يمثّل فرصةً ذهبيةً لأرواحنا لتلتقيَ بالأرواح الأخرى حتّى تهتدي إلى ضالّتها، فيكتشف الواحد ساعتها نصفه الذي ما انفكّ يبحثُ عنه، وتتلبّسُ كلاً منهما فكرةُ أنّه لا يمكن لأيٍّ منهما أن يحتمل فراق الآخر، فيتحوّل الزواج ذاته لكليهما من مجرّد طلب شابٍّ يَدَ فتاةٍ ليتمّم نصف دينه بالطريقة التقليدية إلى جواز شرعي لالتحام كليٍّ بعد أن التحمَتْ روحاهما بالفعل، فيتحقّقُ الأمران -أي اكتشاف الحبّ المقدّر واختيار الحبّ المخيّر فيه- في أنٍ واحدٍ وينتهيان إلى النتيجة ذاتها والشخص عينه

لعلّه بات جليّاً الآن أنّ حبّ العشق وحبّ الزوجية مسألتان مختلفتان وإن لم يمنع شيء من أن يجتمعا في فردٍ واحد. وأستشهد في هذا بحديث الحبيب المصطفى: ((لم نَرَ للمتحابين مثل النّكاح))، وأرى في هذا إشارة واضحةً وصريحةً على أنّ الحبّ -أي حبّ العشق- والزّواج أمران مختلفان مع حرص الإسلام على جمعهما كما بيّنتُ سابقاً. وقد يتعلّل رجلٌ بهذا فيقول إنه يريد أن يترك زوجته لأنّه متعلّقٌ بأخرى، والردّ على هذا أنه حتّى وإن افترضنا جدلاً أنّ ما بينه وبين الأخرى عشقٌ فهذا لا يلغي بأي حالٍ من الأحوال حبّه لزوجته الذي ألزم نفسه أخلاقياً بإنشائه ساعة تزوجها، فإذا كان ذاك حباً قد اكتشفه متأخراً فليس هناك حقيقةً ما يقول بتحلّله من حبّه الذي اختاره بنفسه، فهذا حبٌ وذلك حبٌ وليس لأيٍّ منهما على الآخر زيادة أو علوّ درجة. وقد ننظر إلى الأمر من خلال صورةٍ أخرى، فقد نسمع عن زوجين انفصلا -لا قدّر الله- بعد فترة زواج قد تكون طويلة لكنّهما مع ذلك بقيا على الحبّ، والأرجح هنا في نظري أنّ الاثنين إنما تزوّجا عن حبٍّ حقيقيٍّ بينهما -أعني حبّ العشق- لكنّهما للأسف فشلا -كلاهما أو أحدهما- في تخليق نوع آخر من الحب يضمن استمرار الحياة الزوجية، فينفصلان كزوجين لكنّ الحبّ الذي اكتشفاه معاً قبل الزواج لابدّ أن يظلّ بينهما للأبد، إذ متى انطلقت شرارة الحبّ الأولى لا يمكن لجذوة الحبّ أن تنطفئ

وما دام حديثنا عن الزواج قد يكون من المفيد أن نلتقط رابطاً آخر بينه وبين الصداقة، فكلاهما يحتمل التعدّد بخلاف أنواع أخرى كحبّ الوالدين وحبّ العشق، أي أنه يمكن للمرء أن يحبّ أكثر من شخص كصديق، كما بمقدور الرجل أو المرأة أن يُنشِئا حبّ الزوجية أكثر من مرة في حياتيهما، بينما لا يحبّ الواحد منّا مثلاً أكثر من أمّه -أو من في مقامها- كأمٍّ كما لا يعشق أكثر من امرأة واحدة، وقد يكون هذا تفسيراً لميل الزوج إلى إحدى زوجاته أكثر من غيرها رغم سعيه لعدم التفريق بينهنّ، كأن نقول بأنه أحبّهّنّ كلّهنّ كزوجات لكن إحداهنّ فقط اجتمع فيها حبّ الزوجية وحبّ العشق معاً فمالَ لها دون الأخريات. وهذا يسوقنا إلى القول بأنّ أشكالاً من الحبّ قد تتفقّ معاً في شخصية واحدة، فيُفَسّرُ إفشاؤك سرّك لأخ لك دون الآخر على هذه القاعدة بأنّك أحببت أخاك كصديق أيضاً أو ما إلى ذلك بينما اقتصر حبّك للآخر على الأخوة وحدها

بالرغم من إنني لم أقرّرها صراحةً فيما كتبتُ، إلا إنني أفترض أن طرحي للحبّ على الوجه الذي ذكرتُ قد بدّد ضمناً أيّ شبهةٍ للحبّ بأنّه يقبلُ الدّرجات، فالحبّ -مهما تعدّدت أشكاله- يظلُّ كُلّياً لا يقبلُ النقص، فلا يمكن لأحد أن يقول: أحببتُ كثيراً أو أحببتُ قليلاً، فالحبّ إمّا موجودُ وإما غير موجود، إذ لا يمكن للاستعداد للعطاء أن يكون لا نهائياً ثمّ نقسّم هذا اللانهائيّ إلى نصف لانهائيٍّ وربعه، أمّا ما اعتدنا أن يدور على ألسنتنا من هذا فلا أحسبهُ إلا تسميةً للأمور بغير أسمائها، فحين يُعجبنا البيتُ نقول نُحبّه، وحين تُعجبنا من الفتاة عينيها نقول نحبّها، وحين يعجبنا من الشاب أدبه نقول نحبّه، والإعجاب -صالحه وطالحه- يا إخوتي ليس أكثر من اتفاقٍ للمُعْجَبِ به مع صورةٍ ذهنيةٍ مخَزّنةٍ مسبقاً في ذاكرتنا، ولا يمكن له أن يرتقي ليصير حبّاً بأيّ حالٍ من الأحوال

لو ظللتُ أكتبُ في الحبّ ما انتهيت، ذلك أنّ الحبّ شاسعٌ بطبعه، ولتعذرني الأخوات لأنّ الذكوريّة قد طغت على النماذج فيما أسلفت وإن كان القصد منها التعميم ليس إلا، فما للرجل للمرأة كذلك لا ينازعها من الحبّ في شيء

تلك كانت قصّة الحبّ كما عُلّمْتُها، بَدَتْ لي ولا تزال جميلة، لكنّ الأيّام قد تخفي قصّةً للحبّ أجمل، فإن تَعَلّمَها أحدٌ منكم بالله عليكم... عَلّمونا

0 comments:

 

Free Palestine, refugees, blog, blogger, wordpress, against the war, peace, solidarity, quiz, palestinians, films, documentaries, free stuff, iphone, free calls, free