سيرة ذاتية
منذ ثلاثة أيام كنت أهمّ بطيّ غلاف عامٍ آخر ليلقى مصيره المحتوم بين خمسةٍ وعشرين عامٍ أخر سبقته إلى سرداب التاريخ، لم يكن الأمر ذا أهمية تذكر، لم يكن الجوّ احتفالياً بمناسبة نجاحي في إتمام ربع قرتٍ ونيّف على قيد الحياة -والحمد لله-، لكنّي في المقابل لم أقم بطقوس جنائزية تليق بكارثية الخطر المحدق بي باقترابي من أجلي عاماً آخر -قد أتمه وقد لا يتاح لي أن أفعل-.
الهدوء والرتابة كانا سيدا الموقف في شوارع المدينة، لكني كنتُ مضطراً لتقديم العذر لمجلس المدينة وأهلها لإهمال حدثٍ بهذه الأهمية والحساسية، لأني آثرتُ إبقاء التاريخ سرّاً إلا في حدود دائرتي الضيقة كي لا تضطر المدينة لتبذير موازنتها في احتفالات بمناسبة شخصية صاحبها آخر من يكترث لها. لا أذكر أني نزلتُ إلى السرداب ذات مرة لأتصفح الأوراق القديمة، أو لأقوم بجردة حساب لأتأكد من أني لم أخرج بالنتيجة خاسراً على الأقلّ إن لم يكن لي من الربح نصيب، وهذه المرّة لم تكن شذوذاً على القاعدة بأي حال.
مع الظهيرة خرجتُ بسيّارة أجرة إلى وسط المدينة لقضاء حاجة، السائق كان مكتسياً لحية كثيفة مخضّبة بالشّيب بما بدا علامة لا لبس فيها على طول باع الرجل في هذه الدنيا وأنه قد جاوز الستين أو السبعين على أقل تقدير، الرجل لم ينبس ببنت شفة طوال الطريق على غير عادة أصحاب هذه المهنة، الصمت بدا مبالغاً فيه لدرجة أنه داخلني إحساسٌ بأنّه قد يكون متعمّداً، وكأنّ المدينة كلّها كانت تعدّ احتفالاً ضخماً بذكرى تشريفي العالم بقدومي الميمون، وأنّ تعليماتٍ صارمة قد صدرت للجميع بالإيحاء لي بعدم الاكتراث بالمناسبة كي لا تحترق المفاجأة -لكني اكتشفتُ بعد ساعتين من المسير في المدينة أني كنتُ واهماً بأحاسيسي وأني قد سبحتُ في مخيّلتي إلى ما وراء الحدود-! أخيراً انكسر جدار الصمتُ حين همّ السائق بإعطائي باقي أجرة الطريق فإذا به يكتشف في اللحظة الأخيرة أنه يمدّ لي قطعة معدنيّة من فئة الخمس بنسات بدلاً من جنيه كاملٍ، انطلقتْ من الشيخ عبارة اعتذارٍ عفوية: اعذرني يا ولدي، فقد ضرب فيّ الكبرُ أطنابه (حسناً حسناً، لم يقل العبارة بالحرف، ولكنها الترجمة الوحيدة التي طرأت في رأسي الآن)! وجدتُّني أردّ عليه بدون تفكير: أنت لا تزداد كبراً فحسب، بل وتزداد حكمةً وعقلاً، عالمنا في أمسّ الحاجة لأمثالك يا عمُّ (لا تحاولوا هذه المرّة، هذه قلتها نصّاً بلا تحريفٍ أو تنميق).
ذاك المساء انكببتُ على دراسة المجلدّات القديمة دراسةً متأنيّة لم يكن مرادي منها تقييم الذات بقدر ما كان محاولةً لفهم إجابتي للشيخ من خلال تقصّي أمارات الحكمة -إن كان لها وجود- مع تقدّم الإنسان في العمر، قفزتُ من عوالم طفوليّة من صنع مخيّلتي كنتُ أحلمُ فيها بصنع رجلٍ آليٍّ عملاق يقضي على الظّلم ويساعد المقهورين في هذا العالم، بل وتجاوزتُ الحلم لأنتقل إلى إعداد رسوماتٍ وتصاميم لذلك الآليّ الشّهم. قفزتُ من هناك إلى عالمٍ أكثر قرباً يترّنح بين الخيال والواقع حلمتُ فيه بحكم العالم -وأحسبُ أنّي التقيتُ هنا مع أحلام الشريحة الكبرى من أطفال العالم-، أردتُّ حكم العالم ليعمّ الخير أرجاءه، ربّما لم يكن بمقدورنا كأطفالٍ وقتها أن نتلمّس الفوارق الدّقيقة بين الخير والشرّ أو أن نحددّ مواضع الخطأ والزّلل في بلداننا، ولكنّ فطرة الطفل تهديه إلى تقبّل أو رفض حالةٍ عامّة اعتماداً على ما يصله ويستوعبه فهمه من حوارات أو صور تصله من خلال بيته أو مدرسته أو وسائط الإعلام الحديثة من تلفاز أو حاسوب أو غيرها. من حكم العالم انتقلتُ إلى حكم الدول ثمّ إلى المشاركة في حكم دولٍ أو حتّى تأسيس المدينة الفاضلة في أرض خلاء في أواسط أفريقيا أو في أدغال أمريكا الجنوبية! الأكيد أنّي لم أكن الطفل الوحيد المهووس بهذه الأفكار على سطح المعمورة، فحين أعيد اليوم قراءة ما كان يدور في مخيّلة طفولتي أستطيع بسلاسة تقبّله على أنّه تطورٌّ طبيعي لأيّ شخصيّة بنيت على مبادئ الحبّ والخير والعطاء والإيجابية واحترام الآخر ولا بدّ إن في العالم كثيرين ممّن ترعرعوا على هذه القيم.
المرحلة التي سبقت انتقالي من المدرسة إلى الجامعة كانت عويصة، هذه فرصتك الأولى لتحلّ مشاكل الدنيا، لكن من أين أبدأ؟ وما هي مشاكل الدنيا حتى أحلها؟ متاهة حقيقيّة يدفعك الفضول لفكّ خيوطها إلى البحث عن إجاباتٍ لهذه الأسئلة بشتّى الطرق، والقراءة سبيلٌ لا مفرّ منه لاستيعاب حوادث الماضي والحاضر واستشراف خبايا الغد. الوقت يخونك في الوصول إلى إجابة دقيقة وشافية مع اقتراب ساعة الحسم فتضطرُّ إلى ركوب الموجة السائدة لتصل إلى أقرب الشّواطئ المأهولة على الأقلّ ما دام الطريق إلى جزيرة المدينة الفاضلة لغزاً صعباً حتّى اللحظة.
لكنّ حماس الشّباب يدفعك إلى متابعة البحث لإشباع رغبةٍ ملحّة في داخلك لفهم الأشياء من حولك، إن لم يكن لحلّ مشاكل العالم فلكي تتحرّر من إحساسك بأنّك دمية لا حول لها ولا قوّة تحرّكها أيادٍ خفيّة من وراء ستار. مخزونٌ هائلٌ من العلوم والمعارف والخبرات والتّجارب والعلاقات الإنسانيّة يكتنزه المرء مع انتهاء حياته الجامعيّة الأولى، تؤدّي بصاحبها إلى واحد من ثلاثة مخارج: الأول حالةٌ مستعصية من الإحباط، ونظرةٌ للمحيط مغشّاة بالسوداويّة مؤدّاها إن العالم عقدة بحدّ ذاته، وفقدانٌ لأيّ أمل بالتغيير للأفضل، وبداية عدّ عكسيٍّ للأيّام الباقية لصاحب الحالة في هذا العالم قبل أن يرتاح من همومه ومصائبه. المخرج الثاني يؤدي بصاحبه إلى قناعةٍ بأنّ العالم كتلة من خيوط الصّوف محبوكة العُقد بما يجعل من المستحيل إنهاءها جملةً واحدة، ولكنّه مع ذلك يرى أنّه بتنشئته في حدود بيته نواةً صالحة فإنّه يعطي بصيص أملٍ لأجيال قادمة لتأخذ على عاتقها دحر الشرّ والقهر والفقر في هذا العالم. المخرج الثالث يطلّ من شرفته على عالمٍ آسر بما يزخر به من جمالٍ وحب وسلام، ولأنّ من ينتهي بهم البحث إلى هذا المخرج يرون نتيجة بحثهم ماثلةً أمامهم فإنّهم يؤمنون أيضاً بأنّ الوصول إليها ممكنٌ جدّاً، لكن بقدر ما يحمل ها المخرج من أملٍ بقدر ما يمثّل خطراً حقيقياً للعالم، فمشكلة هذا المخرج أنّه لا يعطيك تعليمات واضحة ودقيقة للوصول إلى الهدف، ويترك الأمر مفتوحاً للتقدير والاجتهاد بما يحتمل كلاً من الخطأ والصواب. البعض يقدّر أزمة العالم على أنّها أزمة عسكرّية فيلجأ إلى السلاح سبيلاً لإنهائها، وآخرون يقدّرونها أزمةً سياسية فيخوضون غمار السياسة ولعبة الدول، وينتهي التفكير بغيرهم إلى تلخيص أزمة العالم بأنها أزمة مالية أو أخلاقية أو أزمة وعي، وعلى ذلك يجتهد كلٌ منهم في تنصيب الحلول حسب تصوّرهم لطبيعة الأزمة.
بالعودة إلى المجلّدات القديمة أدرك اليوم أنّ رحلة بحثي أيّام الجامعة قد انتهت بي إلى المخرج الثالث، وأنّي خلصتُ إلى أن مشكلتنا في هذا العالم سياسية عسكرية اقتصادية، وأنّه حتى يكون بإمكاننا مواجهة "العالم الآخر" المعادي لنا -دون إطار واضح لمن نكون "نحن"- فإنّه يلزمنا بناء ترسانتنا العسكرية والاقتصادية لتكون اللعبة السياسية بأيدينا "نحن".
الانتقال إلى "العالم الآخر" لإكمال الدّراسة كان خطوةً تاليةً مثالية لتأطير هذه الاجتهادات وتنقيحها، ومحاولةً لفهم أعمق لنقاط القوة لدى "العدو" بما يمكن أن يساهم في بناء القوّة في "عالمنا" ويسمح لنا بمواجهتهم في المستقبل. اليوم أجدني مذهولاً بالنتيجة المفاجئة التي انتهيتُ إليها، لم يكن في الواقع وجودٌ لأيّ عالمٍ آخر بالمعنى الحرفي للكلمة، بل هي عوالم متعددة تلتقي وتتواصل فيما بينها، تتراوح علاقاتها بين الحميمية والبرود وإن شابتها أحياناً خلافاتٌ طارئة تجد غالباً طريقها للحل. في المقابل أدركتُ على النقيض إنّ أساليب تنشئتنا وتعليمنا وإدارة شؤون حياتنا تدفعنا دفعاً إلى التقوقع داخل مجتمعاتنا المحلية حاملين فكرةً مسبّقة بأنّنا نعيش في خانة واحدة وأن بقية العالم يعيشون جميعاً في الخانة المقابلة وينظرون إلينا نظرةً عدائية. بالإضافة إلى ذلك ومن متابعة لسير الأحداث داخل مجتمعاتنا بنظرة كلية من خارج موقع الحدث تستطيع أن تدرك إنّ ردود فعل الشارع لدينا تكون عادةً مبالغاً فيها وغير قابلة للفهم والتحليل الموضوعي لأنها عادةً ما تكون مغذاة بمعلومات مغلوطة أو منقوصة مصدرها الحكومات أو معارضوها وتستهدف في النهاية إشعال الغضب الكامن في النفوس أو تنفيسه من أجل تحقيق مصالح شخصية أو جماعية أو بحجة المحافظة على المصالح الوطنية العليا. أي إنّ فهمنا للأمور يكون مرتبطاً ارتباطاً وثيقاً بوسائل الإعلام من حولنا، ولا أريد أن نفهم الإعلام هنا على أنه الصحافة المرئية والمسموعة والمقروءة فحسب، بل أريد أن يشملَ كافة وسائل الاتصال المتاحة لنا كتلقّينا المعلومة شفهياً من أشخاص نمنحهم قدراً كبيراً من الثقة تجعل التشكيك بأقوالهم -أو حتى التفكير بها- ضرباً من الخيانة وخروجاً عن الصفّ، أي إنّ العقل الجمعي في مجتمعاتنا يتدخل في حياتنا أكثر مما عقولنا الفردية بخلاف الواقع الملموس في مكانٍ آخر من العالم حيث أعيش اليوم.
النتيجة الأخرى التي خلصت إليها هنا هي إنّه في الوقت الذي كانت مخارج البحث الثلاثة في مجتمعاتنا تؤدي بنا إلى نتائج يجمعها رابطٌ مشتركٌ وهو إن العالم سوداويٌّ لا غبار على ذلك وإن تراوحت درجات الأمل لدينا بالقدرة على تخفيف ذلك السواد، تكتشف في مكان آخر أنّ آخرين يرون العالم أو المجال المحيط بهم مكاناً جميلاً للحياة، وأنهم بينما يحاولون حلّ مشاكلهم الداخلية -صغرت أم كبرت- فإنهم لا يغفلون عن قضايا المجتمعات الأخرى والإسهام في حلّها، بالعودة من هنا إلى واقع مجتمعاتنا أرى إنّ الأنانية قد بلغت بنا حدوداً أصبحنا معنا نتصور إننا مركز العالم، وإنّ قضايانا تأتي في المرتبة الأولى عالمياً من حيث أولويتها، وإن العالم بأسره ملزمٌ بالعمل على حلّ مشاكلنا وإننا غير مضطرين إلى الاكتراث للمشاكل في بقاع أخرى من الأرض قبل أن تنتهي أزماتنا نحن - هذا بالطبع إذا اعترفنا بدايةً بأنّ لدى العالم مشاكل حقيقية تستحقّ أن نلتفت لها-. عندما تخرج خارج الحدود تكتشف إنّ أزماتنا جزء يسيرٌ من أزمات العالم، وإنّ كثيراً من مجتمعاتنا ترفل بنعمةٍ حقيقيةٍ مقارنةً بمجتمعات أخرى بالكاد نسمع عنها، وإنّ التعرف على واقع هذه المجتمعات لابدّ سيجعلك تعيد النظر في تعريفك لمفاهيم إنسانية كالفقر والجوع والحرية والعدالة.
لن أخوض أكثر في تجربتي القصيرة في "العالم الآخر"، فبرغم زخم التجربة وغناها فإنّ أصعب ما فيها إنها مع كلّ يومٍ جديدٍ ترسّخ لديّ قناعة بأنّ لديّ الكثير الكثير لأكتشفه في هذا العالم. ما يهمنّي الآن أنّي بتّ على يقين من أن الأيام لا تمرّ بالإنسان هباءً، قد يبدو الاستنتاج ساذجاً لكم، لكنها المرة الأولى التي ألحظ فيها أن ما بين الرجل الآليّ ونقد الذات مسافة بعيدة جدّاً لا يمكن للواحد منّا أن يتجاوزها بخطوة واحدة مهما اتسعت!






2 comments:
مع انني اتفق معك في ان مجتمعنا فيه من الأنانية الكثير... إلا أنني أجد لنا عذرا... فكم من الشعوب الأخرى عانت مثلما شعوبنا العربإسلامية و على ايد "العالم الاخر" تحديدا؟
أرى أن الأقربون أولى بالمعروف، و إني على يقين أننا حالما ننتهي من حل مشاكلنا و أزماتنا في العالم العربإسلامي سنلتفت الى غيرنا... فلسنا كما شعوب (أو فلنقل حكومات) العالم الاخر لا نريد الخلاص إلا لأنفسنا... لن تكون مقولتنا كما هي مقولتهم "اللهم نفسي" إذ أننا تربينا على أننا لن نؤمن حتى نحب لإخواننا ما نحب لأنفسنا
كلنا كانت لنا أحلامنا بغد أفضل... و عمر أطول... و مال أوفر... وسعادة تغمر الخلائق لا تنضب و لا تضمر... و مدائن من الشوكولا المجانية للغني و للأفقر... و مجتمعات دولية لا تفرق بين الأبيض و الأسمر... لكن أحلامناها في واد، و كبرنا لنعيش في واد أقصى و أكبر
Thank you liya for your comment and excuse me for not typing in Arabic as I don't have an Arabic keybaord at the moment.
That's the point, when we asked "how many nations have ever suffered as we did as Arab and Muslims?" you already made the conclusion "No one" which is not very accurate. There are and have been wars, occupations, and victims everywhere in the world which we never had the chance to learn about. I am a Palestinian and I always mobilised for my cause as the worst and most just of all struggles on earth. It wasn't until very recent that I came accross an article that talked about a similar struggle in the middle of the Indian Ocean. A whole nation was evicted from their homeland to build a military base on their houses ruins, a horrific story which I am going to blog about soon inshallah.
The other thing, in regard to what we are doing to help ourselves and solve our own problems, what do we do? (And I point here to the vast majority of our people not certain active individuals) I don't think I will be unfair to answer: Nothing!
Yes we do feel and sympathise with Palestinians, Iraqis and probably Kashmir, but we haldly take any useful initiative to help them with their struggle and fight for freedom. There is a lot that can be done and all what it needs is the honest will to help.
You know what, forget all these issues and think on the local level. What do we do to help the needy in our cummunity? Nothing I'm afraid!
Post a Comment